الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

192

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

فتحصل من جميع ما ذكرنا عدم وجود دليل يدل على أعلى القيم وإن كان الاحتياط حسنا في كل باب ، وربّما استدل عليه بأمور ضعيفة أخرى نحن في غنى عنه بعد ما عرفت واللّه العالم . وهنا فرعان : الأوّل : كل ما مرّ في ارتفاع القيمة وانخفاضها كان بحسب الأزمنة والأيّام المختلفة فلو كان الاختلاف بحسب الأمكنة بأن كانت قيمة العين في مكان الضمان مقدارا ، وفي مكان التلف مقدارا آخر ، وكذا في محل المطالبة ، أو الأداء ، فهل المدار على مكان التلف ، أو غيره ، أو أعلى القيم ؟ فإذا كان قيمته في الكوفة مثلا مائة ، وفي بغداد عند تلفه مائة وخمسين ، وفي البصرة عند المطالبة أو الأداء مائتين فالواجب عليه أداء أيّ هذه القيم ؟ لم أر كلاما للأصحاب هنا ولكن ذكروا نظيره في باب المثلي . وكلمات الأصحاب هناك مختلفة ، فعن ابن إدريس أنّه لو ظفر المالك بالغاصب في غير مكان الاتلاف فله إلزامه به في ذلك المكان ، وإن كان أعلى قيمته من مكان الغصب ، لأنّه الذي تقتضيه عدالة الإسلام والأدلة وأصول المذهب . وقد حكى ذلك عن الشهيد والعلّامة وفخر المحققين والمحقق الثاني ( قدس اللّه اسرارهم ) ، واستدلوا عليه بأنّ وجوب ردّ المظلمة فوري . ولكن عن القاضي والشيخ في المبسوط ، الاعتبار ببلد الغصب . ولكن الانصاف أنّ الأمر في المثلي واضح ، فانّ الذمّة ، مشغولة بالمثل فللمالك مطالبته في أي مكان كان ، نعم يشكل القول بجواز إلزام المالك بقبوله إذا استلزم عليه الضرر لسقوط القيمة في ذاك المكان ، لأدلة نفي الضرر ، وأمّا القيمي فالظاهر أنّه يختلف على المباني . فمقتضى القاعدة العقلائية السابقة هو تدارك العين بقيمته في نفس زمان التلف ومكانه فانّها هي التي تقوم مقامه وتسد فراغه . ولكن بناء على كون المدار قيمة يوم المخالفة استنادا إلى صحيحة أبي ولاد فلا يبعد الاعتبار بمكان المخالفة ، لأنّ اطلاق الحديث يقتضيه كما لا يخفى .